الأثنين, 17 فبراير 2020 10:38 صباحًا 0 105 0
خلق الحياء بقلم: فضيلة الشيخ محمد إبراهيم خليفة
خلق الحياء بقلم: فضيلة الشيخ محمد إبراهيم خليفة

للأخلاق منزلة عظيمة في الإسلام وقد وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأجمل الأوصاف قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم:4 ]. كيف لا وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق قال صلى الله عليه وسلم:( إنما بعثت لأتمم مكارم (وفي رواية صالح) الأخلاق) [البخاري في الادب المفرد وصححه الألباني: الصحيحة:45].

وتظهر مكانة الاخلاق في الإسلام من المنزلة العظيمة التي يحظى بها المتخلق بالأخلاق الإسلامية حيث يحصل له من الاجر الجزيل والثواب الكثير مالا يحصل لغيره ،َعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْل وصائم النَّهَار) [أَبُو دَاوُد وصححه الألباني: مشكاة المصابيح:5082].وبحسن الخلق يكمل إيمان العبد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) [ أَبُو دَاوُد والدارمي وحسنه الألباني:المشكاة:5101]ُ فحسن الخلق والإيمان متلازمان.

وبحسن الخلق يكون المؤمن أحب وأقرب الناس مجلساً من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم :(إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم) [الترمذي وصححه الألباني: الصحيحة:791].

ومن هذه الأخلاق التي حث عليه الإسلام، بين منزلتها ومكانتها: خلق الحياء: وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وهو خلق يبعث صاحبه على فعل الحسن واجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.

ونظراً لما للحياء من مزايا وفضائل وقد أمر الشرع بالتخلق به وحث عليه.

فمن فضائل الحياء أنه خلق الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم :(إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء) [ابن ماجه وحسنه الألباني: الصحيحة:940].

ومن فضائله أن الحياة والإيمان قرينان عن ابن عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(إن الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) [الحاكم وصححه الألباني:1603] فهذه مزية للحياء على سائر الأخلاق لأن الحياء من الأخلاق الفاضلة التي قرنت بالإيمان. وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجب من الأنصار-وهو بعظ أخاه في الحباء-فقال له:(دعه فإن الحياة من الإيمان) [البخاري ومسلم]. وقد جعله الشرع شعبة من شعب الإيمان ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الأيمان) يعني شعبة عظيمة ومهمة من الإيمان، يدل على ذلك: التنبيه عليه من بين بقية الشعب.

ومن أعظم فضائل الحياء أنه من صفات الرب سبحانه وتعالى: قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) [أبوداود والترمذي وصححه الألباني: صحيح الجامع:1757] فحياؤه سبحانه حياء كرم وبر وجود.

والحياء من خلق الملائكة والأنبياء: قال صلى الله عليه عن موسى عليه السلام:(إن موسى كان رجلاً حييا ستيراً، لا يرى من جلده شيء؛ استحياءً منه) [البخاري] وقال عن عثمان رضى الله عنه:(ألا استحب من رجل تستحي منه الملائكة؟) [مسلم] وقد تسنم النبي صلى الله عليه وسلم أعلى مقامات الحياء كما وصفه أبوسعيد الخدري رضى الله عنه بقوله:(كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه) [البخاري ومسلم].

والحياء زينة الأخلاق: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) [الأدب المفرد وصححه الألباني: صحيح الأدب المفرد:601/470] لعلو منزلته وجليل قدره وسمو محله ورفعة شأنه وعظيم نفعه.

ومن فضائله أن الحياء خلق يحبه الله لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِن الله عز وَجل حييّ ستير يحب الْحيَاء والستر) [أبوداود وحسنه الألباني: مشكاة المصابيح:447].

والحياء عاصم من المعاصي والمنكرات: عن أبي مسعود البدري مرفوعا: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [البخاري]

إذا لم تخش عاقبة الليالي         ولم تستح فاصنع ما تشاء

ومن فضائله أن الحياء لا يأت إلا بخير، بل هو خير كله لقوله صلى الله عليه وسلم:(الحياء لا يأت إلا بخير) [البخاري ومسلم] وقوله:(الحياء كله خير) [مسلم].

ومن أعظم فضائل الحياء أنه يفضي إلى جنة عرضها السماوات والأرض لقوله صلى الله عليه وسلم:( الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في

النار) [الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني: الصحية:495].

والحياء كبقية الأخلاق منه ما هو جبلي موهوب من الله تعالى، ومنه ما هو مكتسب. ويدل على أن الحياء يكون فطرياً بعض الروايات التي جاءت في حديث الاشج، عَنْ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ" قُلْتُ: وَمَا هُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْحِلْمُ، وَالْحَيَاءُ"، قلت: قديماً أَوْ حَدِيثًا؟ قَالَ: "قَدِيمًا". قلتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خلقين أحبهما الله) [البخاري في الادب المفرد وصححه الالباني: صحيح الادب المفرد:458/455] وكون الحياء مكتسباً فلا شك أن الإنسان إذا أستقام على الشريعة واهتدى يرزقه الله حياءً.

 ولأهمية خلق الحياء علقت به الشريعة أحكاماً، فلما كانت البكر تستحي أن تتكلم إذا سئلت عن موافقتها لمن تقدم لزواجها، فجعلت الشريعة سكوتها حياءً إذناً، ودليلاً على الموافقة فعن عائشة رضى الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم تستأمر، فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحيى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك إذنها إذا سكتت) [البخاري ومسلم واللفظ لمسلم].

والحياة يكون بين العبد وبين ربه عز وجل فيستحى العبد من ربه أن يراه على معصيته ومخالفته، ويكون الحياء أيضاً بين العبد وبين الناس.

عن ابن مسعود رضى الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( استحيوا من الله تعالى حق الحياء من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلا ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) [الترمذي وغيره وحسنه الألباني: صحيح الجامع:935].

وإذا خلوت بريبة في ظلمة            والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها       إن الذي خلق الظلام يراني

والحياء من الناس يكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح، ولا خير فيمن لا يستحى من الناس، قال صلى الله عليه وسلم:( ما كرهت أن يراه الناس منك فلا تفعله بنفسك إذا خلوت) [الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني: صحيح الجامع:5659].

وإذا كان الحياء في الرجال جميلاً، فهو في النساء أجمل، لأنه لها استر وأكمل قال الله تعالى: }فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [القصص: ٢٥] أي: مستحية في مشيها، غير متبخترة، ولا مظهرة زينة، فهذا يدل على كريم عنصرها، وخلقها الحسن، فإن الحياء من الأخلاق الحسنة، وخصوصاً في النساء.

ولما قل الحياء في هذا الزمان عند كثير من الناس كثرت المنكرات وظهرت العورات، وجاهروا بالفضائح، واستحسنوا القبائح، وقلت الغيرة على المحارم أو انعدمت عند كثير من الناس، بل صارت القبائح والرذائل عند بعض الناس فضائل، وافتخروا بها: فصار التبرج والسفور والغناء والموسيقى والاختلاط والخلوة تقدم ومدنية، وفي المقابل صارت العفة والستر والحجاب ومنع الخلوة والاختلاط تخلف ورجعية؟!فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ومعلوم إن قلة الحياة من موت القلب والروح.

فلا والله ما في العيش خير             ولا الدنيا إذا ذهب الحياة

يعيش المرء ما استحيا بخير            ويبقى العود ما بقي اللحاء

اللهم اهدنا لأحسن الاخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها  إلا أنت.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

جمعية الكتاب والسنة الخيرية بالسودان
المدير العام
تأسست للعام 1412

شارك وارسل تعليق

جديد الأخبار

الفيديوهات

الصور

الصوتيات

ماذا قالوا عنا

القوافل الدعوية

النشرات التعريفية