الاربعاء, 28 نوفمبر 2018 03:06 مساءً 0 249 0
الفوضى الفكرية: بقلم: فضيلة الشيخ أحمد رمضان
الفوضى الفكرية: بقلم: فضيلة الشيخ أحمد رمضان

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد..

نحن نعيش اليوم في عالم غيرته التقنية الحديثة وبعثرت أفكاره وعبثت بعواطفه، وهزت الإنسان في قناعاته القديمة هزة عنيفة، وشكلت وسائل الاتصال المختلفة بركامها المعرفي المشعث المنصب على رؤوسنا الكثير من أفكارنا المتناقضة على مستوى الذات والمجتمع.

إن العلاقات المتشابكة للحياة في عصرنا - في جميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية -  عرّضت مسلماتنا الدينية لامتحان عسير يضعنا في مواجهة العاصفة وفي مواجهة الفوضى الفكرية الناشئة عن هذا التداول المهلك للمعلومات، والنتيجة المؤلمة لهذه الموجات المتدافعة ما نراه من شك ينتاب شبابنا وطلابنا في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل والتجمعات الأخرى السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني.

هناك استقطاب حاد يتعرض له الإنسان في مجتمعنا من الناحية الفكرية من جهات لها أذرع طويلة داخل المجتمع وخارجه، وكل من لا يملك الأدوات التي تحصنه ضد هذا الاستقطاب فإنه سيفقد نفسه أو اتباعه أو مؤيديه حتى أن المجتمع ربما تناحر بعضه مع بعض بسبب اختلاف الرؤى والتوجهات والأفكار مما يمثل خطراً استراتيجياً على المدى البعيد تفقد بسببه الأمة خصوصيتها وثقافتها وملامحها المميزة وتصير مسخاً مشوهاً يسير بلا هدف ولا غاية بل يعمل على تحقيق أهداف العدو بصورة أو أخرى.

إن الشباب اليوم يشعر بحيرة عميقة تجاه ما يراه ويسمعه، ويريد تفسيرات شافية تشعره بالسلام النفسي وتنسق له العلاقة بين ثقافته التي نشأ عليه وبين ما يصطدم به من الأفكار الكثيرة والمتنوعة التي تناقض قناعاته الفطرية، ويطمح الشباب إلى من يضع له حلولاً عقلية ووجدانية تزيل عنه الحيرة والشك خاصة وأن الحيرة إذا استولت على الإنسان منعته العمل والبذل والعطاء والتضحية فهو في أسئلة دائمة من قبيل: ما جدوى العمل وما جدوى التضحية بل وما جدوى الحياة؟؟

الإسلام دين متكامل يوازن بين حاجات الإنسان الجسدية والروحية، ويسعى إلى جعله في وضع مريح من الناحية العقلية والناحية النفسية، و الإسلام يحتوي على تراث معرفي ضخم في القرءان والسنة واجتهادات العلماء الراجعة إلى الوحيين بحيث لا يند عنه تطور حديث ولا تقنية محدثة ولا نظام مبتكر.

هناك مؤسسات منوط بها مراقبة الوضع الديني والعقلي لأفراد المجتمع، وهذه المؤسسات إن صارت واعية بدورها فإن ذلك يحتم عليها أولاً دراسة الاتجاه الديني والعقلي والفكري لأفراد المجتمع بغية وضع اليد على الداء وأسباب تفاقمه، ومن ثم وضع الحلول الكفيلة والناجعة لمعالجة الداء واستئصال آثاره المدمرة، وأولى هذه المؤسسات هي المسجد فالمسجد له دور فاعل وكبير في حياة المسلمين ولذلك كان أول ما قام به النبي صلى اللهُ عليه وسلم في المدينة هو بناء المسجد، والقرءان تحدث عن المساجد ودورها فقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً }الجن18 فبين أن المساجد لله فينبغي أن يوحد فيها ولا يدعى أحد غيره وهذا فيه تأسيس لقضية التوحيد وعلاقتها بالمساجد والتي تعني فيما تعنيه أعضاء السجود أيضاً. وقال تعالى:   {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ }النور36 وهذه الآية فيها أن المساجد للذكر والتسبيح وكلاهما يحتاج إلى علم ولذلك كانت المساجد قديماً منارات علمية سامقة، وعليه فربط الشباب بالمساجد وحلق العلم والذكر أحد الأسباب المهمة في الحد من الفوضى الفكرية.

أيضاً من المؤسسات المهمة المعاهد العلمية سواء كانت حلقات في المساجد أو فصول تعليمية، والمعاهد تحتاج فيما تحتاج إليه إلى علماء ربانيين يربون ويعلمون ولا يقتصرون على التعليم فقط قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }آل عمران79 قال ابن عباس ƒ: (الرباني الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره). والرباني يهتم بتصحيح العقائد، وتخليص العبادات، وتزكية المعاملات، ويربي على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والسلوك فسمته سمة الصالحين وسريرته خير من علانيته.

ومما يعين على الحد من الفوضى الفكرية الأخذ بأيدي الجهال وأنصاف العلماء من أن يعيثوا في الأرض فساداً وإهلاكاً للحرث والنسل بسبب فهومهم السقيمة وآرائهم النزقة وفي أمثالهم قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } البقرة205 ولولاة الأمر دور كبير في الأخذ على أيدي هؤلاء  وفق الله الولاة إلى ما يحب ويرضى، وقيض لهم البطانة الصالحة العالمة بالدين وأحوال الناس البصيرة بمآلات الأمور وفق الرؤية الشرعية.

إذن الخلاصة: أن الفوضى الفكرية تحتاج إلى العلم والتربية والحزم والحسم حتى تلتئم الأفكار على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة في غير غلو ولا تقصير وفي غير إفراط ولا تفريط وتفويت الفرصة على الذين يصطادون في الماء العكر من أجل بلبلة الأفكار ونشر الإلحاد والاضطراب الفكري.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

جمعية الكتاب والسنة الخيرية بالسودان
المدير العام
تأسست للعام 1412

شارك وارسل تعليق

جديد الأخبار

الفيديوهات

الصور

الصوتيات

ماذا قالوا عنا

القوافل الدعوية

النشرات التعريفية