الدعوة مسئولية بقلم: فضيلة الشيخ أحمد رمضان

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

منذ أن نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) والنبي صلى الله عليه وسلم يواصل الليل بالنهار في الدعوة إلى الله وتبليغ دينه تعالى


إلى العالمين .. لايكل ولا يمل يتحمل الأذى البدني والمعنوي في صبر عظيم وجلد كبير .. كان صلى الله عليه وسلم كالطود الشامخ في وجه الأعاصير .. كان بثباته يمنح الصحابة القوة والثبات ومضاء العزيمة.. انظر إليه قادماً من الطائف ومعه بلال بن رباح والألم يمزق جسده والهم يطيف على فؤاده وصدى كلمات الاستهزاء والسخرية تطن في أذنيه في هذه اللحظة العميقة من عمر الزمان تنساب كلمات ملك الجبال تداعب أذنيه: لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت.. إنها فرصة الانتقام والأخذ بالثأر في غير إثم ولا قطيعة رحم ولكن .. أي نفس راقية هذه.. أي نظر ثاقب هذا (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله) كلمات تتحدر كالجمان ومعان تأخذ بالألباب إنه قدوتنا صلى الله عليه وسلم.

سارت مواكب الدعاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يحيون القلوب ويمهدون السبل للوصول إلى الله تعالى يقاتلون الكفار بالسيف والسنان ويقاتلون أهل الأهواء والبدع بالحجة والبرهان نذروا أنفسهم لخدمة دين ربهم تعالى .. رائدهم الإخلاص يصبحون عليه ويمسون عليه أهمهم أمر الإخلاص لله تعالى حتى أقض مضاجعهم فهم في ملاحظته على خوف عظيم ووجل كبير أضاءوا دواخلهم بالإخلاص فأثمرت ألسنتهم بالحكمة واجتهدوا أن لا يدخل أجوافهم حرام مثلما اجتهدوا أن لا يدخل قلوبهم رياء قال حذيفة بن قتادة : جماع هذا الأمر في حرفين؛ حل الكسرة وإخلاص العمل لله. أهـ  بذلوا الغالي والنفيس في سبيل بلوغ كلمة الله إلى الآفاق وصبروا على البلاء العظيم  فهذا الإمام أحمد في محنة خلق القرآن يضرب مثلاً رائعاً في الصبر والتضحية والخوف من إضلال الأتباع بعيداً عن حظوظ النفس ورعوناتها (أتراني أضل هؤلاء) قالها حينما ذكره  بعض من رحمه ورأف به بأن رخصة الإكراه تناله فليقل لهم ما يريدون وقلبه مطمئن بالإيمان فأخذه الإمام أحمد إلى ساحة السجن حيث يجلس الطلاب من أجل كتابة مايرد به الإمام أحمد (أتراني أضل هؤلاء) كلمة لو أن الدعاة استشعروها في أنفسهم لفتحت لهم آفاقاً من الخير .. كيف تفتي بغير علم أما تخشى أن تضل هؤلاء .. كيف تسقط العلماء العاملين أما تخشى أن تضل هؤلاء .. تكذب على الله ورسوله لأن الغاية عندك تسوغ الوسيلة أما تخشى أن تضل هؤلاء.

ابن تيمية الحراني الذي كان قتله شهادة ونفيه سياحة وسجنه خلوة العالم الذي قلع جذور حظوظ النفس من قلبه .. يسعى خصومه إلى قتله بكل سبيل فلما قدر عليهم عفا عنهم .. حول السجن سجن القلعة إلى معهد ينال منه السجناء حظهم من العلم والعمل والسمت حتى أن بعضهم رفض الخروج بعد اكتمال مدة سجنه .. أي قلب هذا وأي نفس تلك وأي داع ذلك إنه الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب والتربية على الدين الحق حين تؤتي أكلها وتنضج ثمرتها.

في زمان الوهن والغثائية ما أكثر من يحتاج إلى الدعوة ويرجو النجاة من ظلمات شهوات النفس حيث بلغ الناس الغاية في الخنا والفسق والفجور فأظلمت النفوس وعظمت الحسرة ومرجت العهود وادلهمت الخطوب وأشكل على الناس أمرهم وزخرفت الشياطين الباطل فظهر بمظهر الحق وقبع المصلحون في سراديب النفس إلا من رحم الله وشغلتهم الدنيا عن النظر في العاقبة وصعبت عليهم العبادة وافتلت الإخلاص نفسه ولم يبال أحد بما دخل جوفه وابتغيت الدنيا بعمل الآخرة.

إن كل من علم شيئا من الدين في زماننا صار لزاماً عليه الالتفات إلى نفسه قبل فوات الأوان فالوضع خطير فالله الله في الإخلاص وتحري الحلال في المطعم والملبس والمشرب وليبتعد عن إلقاء اللوم على الآخرين ونسيان نفسه وليعلم أن الخيرية الكبرى في الدعوة إلى الله (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)

الدعوة في زماننا مسئولية عظيمة وسنسأل عن هؤلاء المتعطشين إلى الدين الحق ولم يجدوا من يبلغهم إياه دون النظر إلى الجزاء والشكور وإني لأعجب أين مواكب أهل العقيدة الصحيحة والمنهج السليم فقد ملأوا البلاد معاهدهم ومراكزهم ومشايخهم أين هم مما يسمعون به في أطراف هذه البلاد وأين من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله فيترك حطام الدنيا لينعم بنعيم الآخرة. لا أنكر أن الدعوة قائمة ولكن ليس بالمستوى المطلوب بل افتقدنا الدعاة الذين يسعون في الدعوة بمالهم الخاص الذي تحروا فيه الحلال .. تخيلوا معي لو اتفق بعض الشباب الفضلاء ممن نال قسطاً من العلم فدفعوا مبالغ زهيدة من دخلهم ليقضوا أياماً في مناطق كالنيل الأبيض أو الدندر أو بلاد الأنقسنا أو جبال النوبة أو دارفور أو الجبال النائية في شرق السودان أو مناطق حلفا القديمة قضوا هذه الأيام احتساباً على نفقاتهم الخاصة مع الإخلاص والعبادة والرفق ثم كثرت مثل هذه المواكب فلو فعلوا ذلك لعلموا أن ما هم فيه الآن من اسقاط بعضهم بعضاً والانشغال بالترهات ما هو إلا من نزغ الشيطان ومما تقر له أعين أعداء الله. والدعوة أمرها جلل وهي مهنة الأنبياء فيا دعاة الحق هبوا وانفضوا عنكم الكسل وانظروا إلى سير سلفكم وليكن كل منكم كيساً فطناً لا يكون لعبة في أيدي الأعداء بسذاجته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لست بخب والخب لا يخدعني.


جمعية الكتاب والسنة الخيرية بالسودان جمعية الكتاب والسنة الخيرية بالسودان
المدير العام

تأسست للعام 1412

0  233 0

الكلمات الدلالية

آخر المعجبين بالخبر

التعليقات


اكتب تعليقك هنا

اخبار مقترحة